ملا محمد مهدي النراقي

418

انيس المجتهدين في علم الأصول

وغير خفيّ أنّ ما وقع فيه التعارض إن كان أحد الموردين الأوّلين ، فلا إشكال فيه . فإن كان من الثالث فإمّا أن يرجّح أحدهما في نظر المجتهد - إمّا لقوّته في نفسه ، أو لاعتضاده بدليل من خارج - فيجب عليه أن يأخذ به ويترك الآخر ، أو لا ، ويقوى في نفسي حينئذ لزوم الأخذ بالأصل ؛ لأنّ الغالب فيما تعارض فيه الأصل والظاهر تقديم الأصل ، كما لا يخفى على من تصفّح أمثلة الموارد الثلاثة ، فيكون الأصل معتضدا بظاهر آخر ، والظاهر الواحد لا يقاومهما . نعم ، لو كان له قوّة بحيث يعادلهما معا من غير ترجيح لأحدهما ، فيكون من باب تعادل الأمارتين ، ويأتي حكمه إن شاء اللّه . ومنها : أن يعارضه دليل شرعي آخر ، كالإجماع ، أو الكتاب ، أو السنّة . فإذا قاومه وغلبه يؤخذ به ويترك الأصل ، ولذا غلب الشكّ على اليقين في مسائل : كوجوب غسل جميع الثوب والبدن لو علم إصابة موضع وجهل تعيينها مع أصالة الطهارة في غير ذلك الموضع ، ووجوب ثلاث صلوات على من فاته واحدة مع أصالة البراءة ، وغير ذلك « 1 » . فائدة إذا دلّ دليل على الانتقال عن مقتضى أصل عدم ، أو استصحاب ، أو قاعدة ، أو غيرها إلى غيره كائنا ما كان . فإن دلّ على لزومه ، فلا يجوز العدول عن الأصل المنتقل إليه إلى الأصل المهجور ، وإن دلّ على مجرّد الرخصة والجواز ، فيجوز . وإن وقع الاشتباه في الدلالة على اللزوم والرخصة ، وقع الاشتباه في الجواز وعدمه أيضا . وربّما عدّ منه بناء كثير السهو على عدم الفعل ، مع أنّ حكمه عدم الالتفات ؛ فإنّه لو شكّ في سجدة أو تسبيحة أو قراءة وهو في محلّها ، فإنّه لا يلتفت ؛ لأنّ كثرة السهو جوّزت البناء على الفعل ، مع أنّ الأصل عدمه . فلو فعل ذلك ، فهل يبطل صلاته ؟ ثالثها الفرق بين الترك وغيره . والظاهر البطلان مطلقا . ومنه المسح على موضعه بعد ما علم صحّة غسله في موضع التقيّة .

--> ( 1 ) . للمزيد راجع : الوافية : 208 - 218 ، الفوائد الحائريّة : 281 - 282 ، الفائدة 27 .